الفيض الكاشاني

204

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وقال عطاء بن أبي رياح : إنّ من كان قبلكم كانوا يكرهون فصول الكلام وكانوا يعدّون فضول الكلام ما عدا كتاب اللَّه تعالى وسنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو نطقا بحاجتك في معيشتك الَّتي لابدّ لك منها أتنكرون أنّ عليكم حافظين كراما كاتبين ، « عن اليمين وعن الشّمال قعيد » « ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد » أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفة الَّتي أملاها صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه ، وعن بعض الصحابة أنّه قال : إنّ الرّجل ليكلَّمني بالكلام لجوابه أشهى إليّ من الماء البارد على الظمآن فأترك جوابه خيفة أن يكون فضولا ، وقال مطرف : ليعظم جلال اللَّه في قلوبكم فلا تذكروه عند مثل قول أحدكم للكلب والحمار اللَّهمّ اخزه . وأعلم أنّ فضول الكلام لا ينحصر بل المهمّ محصور في كتاب اللَّه تعالى قال اللَّه تبارك وتعالى : « لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس » ( 1 ) . وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله » ( 2 ) فانظر كيف قلَّب الناس الأمر في ذلك فأمسكوا فضل المال وأطلقوا فضل اللَّسان . وعن مطرف بن عبد اللَّه عن أبيه قال : قدمت على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في رهط من بني عامر فقالوا : أنت والدنا ، وأنت سيدنا ، وأنت أفضلنا علينا فضلا ، وأنت أطولنا علينا طولا ، وأنت الجفنة الغرّاء ، وأنت وأنت ، فقال : « قولوا قولكم ولا يستهوينّكم الشيطان » ( 3 ) إشارة إلى أنّ اللَّسان إذا أطلق في الثناء ولو بالصدق فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزّيادة المستغنى عنها . وقال ابن مسعود : أنذركم فضول الكلام فحسب امرئ ما بلغ به حاجته .

--> ( 1 ) النساء : 113 . ( 2 ) رواه ابن شعبة في التحف ص 30 مرسلا والبيهقي عن ركب المصري كما في الدر المنثور ج 2 ص 221 بنحوه . ( 3 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت كما في المغني .